Menu

تكتيك  المقاومة الفلسطينية المبدع  في  إدارة صفقة تبادل الأسرى

عليان عليان

 

كتب عليان عليان

 المتأمل للملحق ( الملاحظات -الشروط) التي طرحتها حركة حماس بالتوافق  والتشاور مع حركة الجهاد الإسلامي  والجبهة الشعبية وبقية الفصائل، بشأن المرحلة الأولى، والمتعلقة بصفقة تبادل الأسرى وغيرها من القضايا، التي تم التوافق عليها من قبل كل من مدراء المخابرات الأميركية والإسرائيلية والمصرية ووزير خارجية قطر ، يؤكد أن المقاومة أبدعت في التكتيك دون التخلي عن الاستراتيجية، كيف ؟

أولاً: المفاوض الحمساوي أبلغ الجانبين المصري والقطري، بعدم رفض الصفقة بشكل مطلق  بل تعامل معها  وفق صيغة " نعم ولكن" ، حيث حصر تعليقه وطرح موقفه ومطالبه في  المرحلة الأولى، دون أن يبدي موقفاً اعتراضياً حتى اللحظة على المرحلتين الثانية والثالثة  ما جعل الطرفان المصري والقطري لوصف موقف المقاومة بأنه إيجابي، ودفع وزير الخارجية  الأميركي لأن يصرح بقوله : "أن رد حماس ينطوي على مساحة للتفاوض يسمح بإنجاز صفقة متفق عليها لتبادل الأسرى"  ودفع الرئيس الأميركي جو بايدن لأن يبدي شبه ارتياح لرد حماس بقوله "مطالب حماس مبالغ فيها"، مراهناً بشكل بائس على إمكانية تراجع المقاومة عن العديد من مطالبها.

ثانياً : قبل أن يسلم  المفاوض الحمساوي رده على الصفقة المطروحة، أعلن أن فصائل تريد صفقة عادلة لتبادل الأسرى، دون أن تعلن عن ماهية الصفقة، ما دفع بعض المحللين والمراقبين  في واشنطن والقاهرة والدوحة، لاستنتاج أن المقاومة تخلت عن مبدأ "الكل مقابل الكل"  الذي طرحته منذ انتصار السابع من أكتوبر، بمعنى تحرير كافة الأسرى في المعتقلات الصهيونية، مقابل الإفراج عن الأسرى الصهاينة.

ثالثاً : المتأمل للشروط التي طرحها المفاوض الفلسطيني في تعامله مع  صفقة باريس في (المرحلة الأولى) يؤكد أن المقاومة تعني بعبارة "الصفقة العادلة"  تطبيق مبدأ (الكل مقابل الكل)، وتحقيق مطالب وشروط  مركزية أخرى تتعلق بالأهل في قطاع غزة، ولسان حال المقاومة في  الملحق الذي أضافته للصفقة يقول  "بأنها تفرض شروط المنتصر وليس المهزوم ".

فالمقاومة في شروطها الواردة في الملحق، اشترطت  لإطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين من النساء والأطفال (دون سنّ 19 عاماً غير المجنّدين) المقدر عددهم (35) إسرائيلياً، تحرير جميع الأسرى الفلسطينيين  في سجون الاحتلال من النساء والأطفال وكبار السنّ (فوق 50 عاماً) والمرضى، الذين تمّ اعتقالهم حتى تاريخ توقيع هذ الاتفاق بلا استثناء، بالإضافة الى 1500 أسير فلسطيني تقوم حماس بتسمية 500 منهم من المؤبّدات والأحكام العالية.

فالمقاومة  التي اشترطت  في المرحلة الأولى، الإفراج عن هذه الكم الهائل من الأسرى الفلسطينيين، وكل من جرى اعتقالهم منذ (7) أكتوبر 2023، بما فيهم المحكومين بالمؤبدات والأحكام العليا، مقابل الإفراج فقط عن  عدد من النساء والأطفال الإسرائيليين  وليس مقابل الإفراج عن المجندات والجنود والضباط الإسرائيليين، يجعلنا نطرح السؤال ما هو الثمن الذي تطلبه  المقاومة مقابل الإفراج عن العسكريين الصهاينة؟ وفي التقدير الموضوعي  أن الإجابة واضحة " ليس أقل من تبييض السجون ".

وإمعاناً في طرحها شروط المنتصر، لم تكتف المقاومة بهذا الرقم الكبير جداً على صعيد تحرير الأسرى الفلسطينيين، بل طرحت شروطاً أخرى تتعلق بإعادة إعمار القطاع ورفع الحصار وفتح المعابر وإنهاء العدوان  وانسحاب قوات الاحتلال  في المرحلة الأولى لا تقل أهمية عن شرط تحرير الأسرى  على نحو :

- الوقف الكامل للعمليات العسكرية من الجانبين، ووقف كلّ أشكال النشاط الجوي بما فيها الاستطلاع، طوال مدة هذه المرحلة، وإعادة تمركز القوات الإسرائيلية بعيداً خارج المناطق المأهولة في كل قطاع غزة، لتكون بمحاذاة الخطّ الفاصل شرقاً وشمالاً، وذلك لتمكين الأطراف من استكمال تبادل المحتجزين والمسجونين.

- إتمام الإجراءات القانونية اللازمة التي تضمن عدم إعادة اعتقال الأسرى الفلسطينيين والعرب على نفس التهمة التي اعتُقلوا عليها.

- تحسين أوضاع الأسرى في سجون الاحتلال ورفع الإجراءات والعقوبات التي تمّ اتخاذها بعد 7/10/2023.

- وقف اقتحامات وعدوان المستوطنين الإسرائيليين على المسجد الأقصى وعودة الأوضاع في المسجد الأقصى إلى ما كانت عليه قبل عام 2002.

- تكثيف إدخال الكميات الضرورية والكافية لحاجات السكّان (بما لا تقلّ عن 500 شاحنة) من المساعدات الإنسانية والوقود وما يشبه ذلك، بشكل يومي، وكذلك يتيح وصول كميات مناسبة من المساعدات الإنسانية إلى كل مناطق القطاع وبشكل خاصّ شمال القطاع.

- عودة النازحين إلى أماكن سكنهم في جميع مناطق القطاع، وضمان حرّية حركة السكان والمواطنين بكل وسائل النقل وعدم إعاقتها في جميع مناطق قطاع غزة وخاصّة من الجنوب إلى الشمال.

- ضمان فتح جميع المعابر مع قطاع غزة وعودة التجارة والسماح بحرّية حركة الأفراد والبضائع دون معيقات، و رفع أي قيود إسرائيلية على حركة المسافرين والمرضى والجرحى عبر معبر رفح.

- ضمان خروج جميع الجرحى من الرجال والنساء والأطفال للعلاج في الخارج دون قيود.

- تتولّى مصر وقطر قيادة الجهود مع كل من يلزم من الجهات للإدارة والإشراف على ضمان وتحقيق وإنجاز  العديد من القضايا المتعلقة بتوفير  المعدات الثقيلة  اللازمة لإزالة الركام،  وتوفير معدات الدفاع المدني،  ومتطلبات وزارة الصحة، وإعادة إعمار المستشفيات، والبدء بإعمار وإصلاح البنية التحتية، وإدخال أرقام كبيرة من الكرفانات والخيام لحل مشكلة السكن المؤقت ( 60 ألف كرفان ، 200 ألف خيمة)،  وإتاحة  الفرصة للأونروا وبقية المنظمات الدولية للعودة للعمل على النحو الذي كان قائماً قبل 7 أكتوبر 2023،  وإعادة تزويد قطاع غزة بالوقود اللازم لإعادة تشكيل محطّة توليد الكهرباء وكل القطاعات، والتأكيد على التزام الاحتلال بتزويد غزة باحتياجاتها من الكهرباء والماء.

وبعد إنجاز ما تقدم، تطرح المقاومة  البدء بمباحثات (غير مباشرة) بشأن المتطلّبات اللازمة لاستمرار وقف العمليات العسكرية المتبادلة للعودة إلى حالة الهدوء التام والمتبادل  مع تأكيد المقاومة  على أن "عملية التبادل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمدى تحقّق الالتزام بدخول المساعدات الكافية والإغاثة والإيواء التي تمّ ذكرها والاتفاق عليها".

 المقاومة في ملحقها لم تعلق على تفاصيل المرحلتين الثانية والثالثة، إدراكاً منها  أن  تحقيق اشتراطات  المقاومة في المرحلة الأولى،  هو  الأساس، وأن المرحلتين الثانية والثالثة ستكونان في السياق الإجرائي لمصلحة المقاومة، لاسيما وأنها  تتحدث عن استكمال تبادل الأسرى، واستمرار الإجراءات الإنسانية للمرحلة الأولى، وخروج القوات الإسرائيلية خارج حدود مناطق قطاع غزة كافّة، وبدء أعمال إعادة الإعمار الشامل للبيوت والمنشآت والبنى التحتية التي دُمّرت في كل مناطق قطاع غزة، وفق آليات محدّدة تضمن تنفيذ ذلك وإنهاء الحصار على قطاع غزة كاملاً، وذلك وفقاً لما سيتمّ التوافق عليه في المرحلة الأولى، في حين أن المرحلة الثالثة تنص على تبادل الجثامين.

يضاف إلى ما تقدم فإن تحديد مدة الهدنة لكل مرحلة ب (45) يوماً بواقع  (135) يوماً للمراحل الثلاث، وفق ما ورد في صيغة باريس، هو في المحصلة لمصلحة المقاومة من زاوية أن المقاومة تستطيع خلال هذه الفترة، تضميد جراح حاضنتها الشعبية بعد هذا الكم  الهائل وغير المسبوق  من التضحيات والمجازر الصهيونية، التي أدت إلى ارتقاء ما يزيد عن (35) ألف شهيد ومفقود، وما يزيد عن 68ألف جريح  هذ ( أولاً) و (ثانياً) أن مدة الهدن تمكن المقاومة من إعادة بناء قواتها وترتيب أمورها، مستندة إلى تحقيق إنجازات على الصعيد الانساني للأهل في  القطاع، ناهيك أن وقف العدوان لمدة  تزيد عن أربعة شهور يفسح المجال لوقف إطلاق النار  الذي هو في التحليل النهائي انتصار للمقاومة.

ويسجل للمقاومة أيضاً في مفاوضاتها ما يلي :

1-أنها وظفت  قضية تبادل الأسرى، لخدمة  أبناء الشعب  الفلسطيني في قطاع غزة للتخفيف من معاناتهم  الناجمة عن العدوان النازي

2-أنها ربطت قضية غزة بالضفة  الغربية في إطار وحدة الوطن، عندما طرحت موضوع وقف اقتحامات وعدوان المستوطنين الإسرائيليين على المسجد الأقصى، وتحسين أوضاع الأسرى الفلسطينيين  في سجون الاحتلال.

3- وفي حال إنجاز كل ما تقدم، يكون بوسع فصائل المقاومة، إفشال ما تخطط له الإدارة الأميركية وبعض أطراف النظام العربي الرسمي، في اليوم التالي لوقف الحرب.

اللافت للنظر أن الجانب الصهيوني لم يكتف برفض شروط المقاومة، بل رفض ما وقع عليه رئيس الموساد الإسرائيلي  "ديفيد برنياع" في باريس   بتفويض من رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، بشأن كل المراحل، ما يعني أن المقاومة حشرت العدو في الزاوية ووضعته في موقع ردة الفعل، مستندةً إلى دورها العسكري الحاسم  في الميدان وكم الخسائر التي  ألحقتها وتلحقها بالعدو، على  صعيد القتلى والجرحى ناهيك عن الخسائر الاقتصادية وغيرها.

 

*كاتب فلسطيني